منذ ما يقرب من عام تولى بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة "الإسرائيلية"، واستقر على استراتيجية إدارة الصراع مع الفلسطينيين التي تقوم على قاعدة أولوية الملف الإيراني على الملف الفلسطيني، ورفض التسرع في القبول بالتفاوض مع الفلسطينيين إلى حين الانتهاء نهائياً من الملف الإيراني، وإذا كان الفلسطينيون يريدون التفاوض، عليهم التوقف نهائياً عن وضع أي شروط مسبقة، إلى حين البدء مجدداً من مرحلة "الصفر" من دون أي التزامات "إسرائيلية" أو تعهدات. وفي مقابل ذلك كان يقول إن الهدف "الإسرائيلي" الأساسي هو أن تصبح "إسرائيل" دولة يهودية، وهو ما عاد الوزير يوسي بيلد القائد الأسبق للجبهة الشمالية في الجيش "الإسرائيلي" بقوله "إن تل أبيب لم تضع السلام هدفاً ينبغي تحقيقه، وإن الهدف الأولي ل"إسرائيل" هو ضمان وجودها كدولة يهودية إلى الأبد".
هذه الاستراتيجية القائمة على قاعدة ال"لا تنازلات" هي التي حفزت نتنياهو على تحدي الرئيس الأمريكي باراك أوباما بضرورة إعطاء الأولوية للملف النووي الإيراني، وإرجاء الملف الفلسطيني إلى أجل غير مسمى، لقناعته بأنه إذا ما تم تدمير المشروع النووي الإيراني والقدرات العسكرية الإيرانية وخاصة القدرات الصاروخية فلن تستطيع إيران أن ترفع صوتها مجدداً بدعم القضية الفلسطينية، وسيتوقف دورها الداعم لما يسمى "محور الممانعة" (سوريا وحزب الله وحركتا "حماس" والجهاد الإسلامي في فلسطين) ولن تقوم قائمة بعد ذلك لهذا المحور، وسيتوقف الخطر على "إسرائيل"، وعندها لن تكون هناك أي دوافع أو ضغوط على "إسرائيل" لتقديم تنازلات للفلسطينيين، لأنه، ببساطة، لن يكون هناك ما يبرر ذلك.
نتنياهو مازال مقتنعاً بهذه الاستراتيجية، بل إنه هذه الأيام أكثر تشبثاً بها بعد أن كسب رهان فشل حوار "مجموعة 5 +1" (دول مجلس الأمن الخمس دائمة العضوية وألمانيا) وانتهاء مهلة هذا الحوار بنهاية العام المنصرم من دون نتائج إيجابية، وبعدما أصاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما من إحباط في حماسته لتحقيق نجاحات على صعيد القضية الفلسطينية وتوقفه عن الحديث والدعوة إلى "حل الدولتين" وتفهمه لرفض "إسرائيل" تجميد الاستيطان، ورفضه أن يكون هذا التجميد شرطاً لاستئناف الحوار "الإسرائيلي" الفلسطيني، وهذا ما دفعه إلى القول إن تفاؤله بحدوث تقدم في الملف الفلسطيني كان أكثر مما ينبغي، وهذا ما أقنعه أيضاً بتجاهل أي إشارة لفلسطين وصراع الشرق الأوسط في خطاب الاتحاد الذي يلقيه الرئيس الأمريكي في شهر يناير/ كانون الثاني من كل عام.
وإذا كان نتنياهو قد كسب الرهان على حتمية فتور حماسة الرئيس الأمريكي، فإن رهانه الأساس هو غياب أي قدرة عربية للضغط على "إسرائيل" وإفلاس النظام الرسمي العربي عن تقديم أي بديل لمشروع السلام العربي أو مبادرة السلام العربية التي رفضتها "إسرائيل".
لقد رفض نتنياهو أن يقبل بتجميد الاستيطان كشرط لقبول الفلسطينيين بالتفاوض، وراهن على أنهم سوف يقبلون سريعاً التفاوض ومن دون شرط وقف الاستيطان، لسبب بسيط أنهم والدول العربية ليس لديهم أي خيار بديل للتفاوض لإقناع شعوبهم بأنهم يناضلون من أجل استرداد الحقوق وخصوصاً تلك الاسطوانة التي لا يتوقفون عن ترديدها على مسامع شعوبهم لإقناع هذه الشعوب بأنهم مازالوا على الوعد بإجبار "إسرائيل" على الانسحاب من كل الأرض العربية المحتلة عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
فمنذ أسبوعين تقريباً وخلال لقائه مع مندوبي الوكالة اليهودية في القدس المحتلة ركز نتنياهو على أمرين أولهما: أنه ينبغي على المجتمع الدولي أن يقرر ما إذا كان يعتزم جدياً وقف البرنامج النووي الإيراني، مؤكداً أن التهديد الأكبر للبشرية هو أن يلتقي النظام الإسلامي العسكري مع سلاح نووي.
وثانيهما السخرية ممن راهنوا على موافقة الحكومة "الإسرائيلية" على ما أسماه "الإملاءات" السورية والفلسطينية (الانسحاب من الجولان ووقف الاستيطان) وقال بالحرف الواحد "لن يستغرق الأمر وقتاً حتى يتراجع الفلسطينيون والسوريون عن المواقف التي اتخذوها". وأضاف "أعتقد أن الفلسطينيين، على الأقل، بدأوا بالتراجع. هناك مؤشرات إلى أن المفاوضات معهم ستبدأ في المستقبل المنظور".
هكذا راهن نتنياهو على تراجع فلسطيني سريع، وعندما قال ذلك لم يكن أحد يتوقع أن يتحقق رهانه بهذه السرعة المذهلة، وأن يكون التراجع عربياً وليس فقط فلسطينياً، أو فلسطينياً بثوب عربي.
الرهان العربي هنا على الجهود الأمريكية، وهو رهان ليس الأول من نوعه بل ربما يكون الألف، ويجيء بعد قيام "إسرائيل" بتهويد الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال من دون رفض عربي واحد، ومن دون لوم أمريكي لسلطات الاحتلال التي أغراها هذا الصمت العربي، وبدأت بالفعل بتهويد المسجد الأقصى، وهي تستعد لاستقبال جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي الذي أعلن أنه ذاهب لتقديم وجود دعم أمريكي غير محدود ل"إسرائيل" بشأن البرنامج النووي الإيراني، بل إنه قادم إلى تل أبيب كي يتيقن من أن "إسرائيل" والولايات المتحدة "متماهيتان" في مسألة إحباط التهديد النووي الإيراني، حسب وصف السيناتور جون كيري رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي.
رهان عربي جديد على وعود أمريكية في الوقت الذي استأنفت واشنطن حواراً استراتيجياً معمقاً مع تل أبيب استقبله نتنياهو بسعادة بالغة عبّر عنها برفضه أي التزام بتفاهمات "إسرائيلية" فلسطينية مسبقة، وبإصراره على ضم الأغوار إلى أرض "إسرائيل" في قراءة مسبقة لنكسة عربية جديدة مع الوعود الأمريكية وإعلان مسبق عن صدق رهاناته وفشل رهانات العرب. |