:: منارة التحكيم الفلسطيني  >  أفلام وأراء >  أحكام القانون الدولي لمواجهة ضم الحرم الإبراهيمي ...........خليل حسين  
  تاريخ الإضافة : 8/3/2010  
     
 
   
 
 


تعرضت الأماكن الدينية والتراثية في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى شتى صنوف الانتهاكات والاعتداءات من هدم وضم وتغيير معالم وغيرها من الأشكال المخالفة لقواعد القانون الدولي العام. ويأتي إعلان "إسرائيل" ضم الحرم الإبراهيمي، ليشكّل تحدياً جديداً للعرب والمسلمين، بخاصة أن الاعتداء على الحرم لم يكن الأول من نوعة بل تسبّب في السابق في ما سميَّ بالانتفاضة الثانية بعد المجزرة التي ارتكبت فيه من قبل متطرف يهودي.

لقد نظمت المواثيق والاتفاقيات الدولية وضع الأماكن الدينية والتراثية والثقافية إبان الحروب والاحتلال على حد سواء. وأكدت بمجملها على عدم التعرّض لها، بل أوجبت تقديم الحماية في بعض الجوانب، فقد نصت المادة (27) من اتفاقية لاهاي لعام 1907 أنه في حال الحصار والضرب بالقنابل ينبغي اتخاذ كل ما يمكن اتخاذه من الوسائل لعدم المساس بالمباني المعدّة للعبادة، والفنون، والعلوم، وللأعمال الخيرية، والآثار التاريخية، بشرط ألا تكون مستعملة في الوقت ذاته لأغراض عسكرية، كما تضمّنت المواد الخاصة بالضرب بالقنابل عن طريق القوات البحرية، نصوصاً تتعلق بأماكن العبادة بصفة عامة، فأكدت المادة (5) منها على أنه يجب على القائد عند الضرب بالقنابل بوساطة قوات بحرية أن يتخذ كل الإجراءات اللازمة لإبعاد المنشآت المخصصة للعبادة عن العمليات العسكرية.

وبالنظر إلى التباعد والتباين بين النظرية والواقع بين اتفاقية لاهاي لعام 1907 والواقع الذي تم التعامل به مع تلك المنشآت وقت الحروب وفي ظل الاحتلال، أعيد النظر في نصوص الاتفاقية عبر اتفاقية جنيف لعام 1949 والملحقين الإضافيين لها، إذ تم توضيح المقصود بأماكن العبادة والتي اعتبرت بأنها تمثل تراثاً ثقافياً أو روحياً للشعوب، فنصت المادة (53) من الملحق الإضافي الأول على حظر ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب. كما أورد البروتوكول الثاني الخاص بالنزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي في المادة (14) ما نصه "يحظر ارتكاب أية أعمال عدائية موجهة ضد الآثار التاريخية، أو الأعمال الفنية، أو أماكن العبادة التي تشكّل التراث الثقافي والروحي للشعوب واستخدامها في دعم المجهود الحربي".

كما نصت المادة (56) من لائحة الحرب البرية لاتفاقية لاهاي لعام 1907 على أن أملاك المجالس البلدية وأملاك المنشآت المخصصة للعبادة والتعليم والفنون لها حمايتها ولو كانت مملوكة لدولة الخصم، فهي تأخذ حكم الملكية الخاصة، وحرّمت عمليات التخريب المتعمد لها، كما أوجبت المحاكمة عن هذه الجرائم. كما وردت باتفاقية جنيف في شأن حماية الأشخاص المدنيين لعام 1949 في القسم الخاص بالاحتلال الحربي كالمادة (53) التي حظرت على دولة الاحتلال أن تدمر أية متعلقات ثابتة أو منقولة خاصة بالأفراد أو الجماعات أو للحكومة أو غيرها من السلطات العامة أو لمنظمات اجتماعية أو تعاونية إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً ضرورة هذا التخريب.

وقد اعتبرت محكمة نورمبرغ أن تعرّض سلطات الاحتلال لأماكن العبادة يشكّل جريمة دولية، إذ اعتبر مساعد المدعي العام الفرنسي أمام المحكمة أن بعض المتهمين ارتكبوا جرائم دولية، حيث قاموا بإغلاق أديرة، وسلب أموال الكنائس والمعابد، وانتهاك حرمتها كما دانت المحكمة قادة الجيش الألماني في روسيا لقيامهم بتدمير أماكن العبادة والكنائس في بعض المدن الروسية المحتلة، ولذلك استقر الفقه الدولي على إدانة انتهاك حرمة دور العبادة أو التعرّض لها بالتدمير أو السلب أو النهب أو الإغلاق أو أي تصرف يضر بهذه الأماكن خلال فترة الاحتلال، وإن من واجب سلطات الاحتلال احترام الحقوق العقائدية الدينية للمدنيين من سكان الأراضي المحتلة، وكذلك عدم التعرّض لأماكن العبادة بالتدمير أو السلب أو النهب أو تعطيل ممارسة الشعائر وطقوس العبادة.

وفي مقاربة بسيطة لتلك المواد توضح أن الفعل "الإسرائيلي" بضم الحرم الإبراهيمي، فعل انتهاك للأماكن الدينية المقدسة ويندرج في إطار الجريمة المنصوص عليها في المادة 19/2، حيث اعتبرت أن الفعل المكوِّن للجريمة الدولية هو نتاج انتهاك الدولة لالتزام يحمي ويصون مصالح الجماعة الدولية، كما يندرج ضمن الأوصاف المنصوص عليها في المادة 193 والتي نصت على أن من بين الجرائم الدولية تلك الأعمال التي تشكِّل انتهاكاً خطيراً لالتزام الدول للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، سواء أكانت الجهة التي يُناط بها فعل الجريمة، للدولة كشخص معنوي عام، أم إلى الشخص الطبيعي، كما حدث في محاكمات نورمبرغ وطوكيو.

ومن المسائل التي يتوجب على العرب والمسلمين القيام بها، الحراك الفاعل في اتجاه المجتمع الدولي لإبرام معاهدات متعدِّدة الأطراف، تلزم وجوب حماية الأماكن المقدسة في فلسطين المحتلة وتحريم المساس أو التعرّض لها بالضم أو غيره من الأفعال. كما ينبغي عرض هذه الانتهاكات في المنظمات الدولية والتذكير بأن الأراضي المحتلة هي بحماية المجتمع الدولي وأنها من اهتمامات منظمة الأمم المتحدة ومختلف أجهزتها لا سيما مجلس حقوق الإنسان.

من المعلوم أن القانون ينشئ الحق، لكن استرداده يستلزم القوة والإرادة فأين نحن، العرب والمسلمين، هذه الأيام من أرضنا ومقدساتنا؟، لا زالت مجتمعاتنا غارقة في التفاصيل المملة لبعض المسائل الطائفية والمذهبية في وقت أكملت "إسرائيل" ضم الأرض والمقدسات بما فيها وما عليها.

 
     
 

 

 
 
:: كتابة تعليق::
 
 
الإسم :
الإيميل :
مكان السكن :
التعليق